صديق الحسيني القنوجي البخاري

37

فتح البيان في مقاصد القرآن

أراد سبحانه تقسيم البشر قسمين ذوي النسب أي ذكورا ينسب إليهم ، فيقال فلان ابن فلان وفلانة بنت فلان وذوات صهر أي إناثا يصاهر بهن ، كقوله تعالى : فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [ القيامة : 39 ] . وسئل عمر بن الخطاب عن نسب وصهر فقال : ما أراكم إلا وقد عرفتم النسب وأما الصهر فالأختان ، والصحابة . وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً أي بليغ القدرة عظيمها ، ومن جملة قدرته الباهرة خلق الإنسان من النطفة الواحدة وتقسيمه إلى القسمين المذكورين . ولما ذكر سبحانه دلائل التوحيد عاد إلى ذكر قبائح الكفار وفضائح سيرتهم فقال : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ إن عبدوه وَلا يَضُرُّهُمْ إن تركوه وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً هو المظاهر أي المعاون على ربه بالشرك والعداوة ، والمظاهرة على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه قال الزجاج : لأنه يتابع الشيطان ويعاونه على معصية اللّه لأن عبادتهم للأصنام معاونة للشيطان . وقال أبو عبيدة : المعنى وكان الكافر على ربه هينا مهينا ذليلا من قول العرب ظهرت به أي جعلته خلف ظهري لم ألتفت إليه . ومنه قوله تعالى : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [ هود : 92 ] وقيل إن المعنى وكان الكافر على ربه الذي يعبده وهو الصنم قويا غالبا يعمل به ما يشاء لأن الجماد لا قدرة له على دفع ونفع . ويجوز أن يكون الظهير جمعا كقوله : وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [ التحريم : 4 ] أو المعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أو دين اللّه والمراد بالكفر هنا الجنس ولا ينافيه كون سبب النزول هو كافرا معينا ، كما قيل إنه أبو جهل . وقال ابن عباس : يعني أبا الحكم الذي سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أبا جهل بن هشام فالأصح أنه عام في كل كافر . وَما أَرْسَلْناكَ في حال من الأحوال إِلَّا حال كونك مُبَشِّراً للمؤمنين بالجنة وَنَذِيراً للكافرين بالنار فلا تحزن على عدم إيمانهم ، واقتصر على صيغة المبالغة في الانذار لتخصيصه بالكافرين إذ الكلام فيهم والإنذار الكامل لهم ، ولو قيل إن المبالغة باعتبارها لكم لشموله للعصاة جاز . قُلْ يا محمد ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على القرآن أو على تبليغ الرسالة المدلول عليها بالإرسال أو على ما أدعوكم إليه مِنْ أَجْرٍ أي عرض من عرض الدنيا قاله ابن عباس ، والاستثناء في قوله : إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا منقطع أي لكن من شاء فليفعل . وقيل هو متصل والمعنى إلا من شاء أن يتقرب إليه سبحانه بالطاعة ، وصور ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود الحصول ، ولما بين سبحانه أنّ الكفار